<< السابق [الرئيسية] التالي>>
الإيمان والعقل:
صنوان متلازمان لا يكادان يفترقان: العقل والإيمان، والتلازم راجع إلى ما بينهما من علاقة السببية، فالعقل أساس للإيمان، والإيمان ثمرة من ثمرات العقل السليم، والقرآن الكريم وهو يعدّ الإنسان للدار الآخرة يجعل من البرهان العقلي طريقاً إلى الإيمان الحق فيذكره ضمن الأدلة والبراهين على أصل وجود الخالق وبيان صفاته. ومن ثم كثيراً ما نقرأ في القرآن الكريم من نفي العقل عن الكافرين والملحدين، يقول الله تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} سورة الأنفال / آية 22 و 23. ويقول سبحانه: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} سورة الأنفال / آية 55. ويقول سبحانه: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} سورة الأعراف / آية 179. وقال سبحانه: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} سورة الفرقان / آية 44. ويقول سبحانه حكاية عن الكافرين أنفسهم: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} سورة تبارك / آية 10. وبيّن الذين أوتوا العلم: أن العقل أساس النقل. والنقل الصحيح لا يخالف العقل الصريح (الإيمان والحياة ، ص 49). ويقول الدكتور عبدالله النقشبندي: “وفي خضم هذه العقائد التنافرة التي من بينها العقيدة الجانحة جنوحاً شديداً إلى الإلحاد وإنكار وجود الخالق، أمسى الإنسان العاقل اليوم أشد حاجة منه في أي عصر مضى إلى براهين عقلية موصلة إلى اليقين لا يجحدها إلى باقل ينكر ويستنكر البراهين على الإطلاق” (مجمع الأشتات الكتاب الأول – الرفيق الأعلى ص 20). بل جعل البرهان العقلي من أرقى الأدلة العلمية للخائضين مفاوز البحث في شأن مكون الكائنات جل جلاله وعمّ نواله فقال في معرض تعداد الطرق في خطة المهايع المفتوحة للعلم والمعرفة والتجرية والاستنباط والاستدلال والبرهان. 2- طريق البرهان العقلي: وهو من الأدلة ما يقطع الشك لانبنائه على ما يجزم العقل بصحته. فهو أرقى الأدلة العلمية وصنفها المميز على سائر الأصناف (مجمع الأشتات الكتاب الأول – الرفيق الأعلى ص 26 و 27)، وقال في موضع آخر “وإنما نحن بصدد البرهان العقلي وحده لأنه وحده القاطع في ما نحن فيه دون احتياج إلى مقدمات خارج العقل” (مجمع الأشتات الكتاب الأول – الرفيق الأعلى ص 38). وقال الشيخ نجم الدين أبو حفص عمر بن محمد النسفي المتوفى سنة 537: “وأسباب العلم للخلق ثلاثة، الحواس السليمة، والخبر الصادق، والعقل” (العقائد النسفية، ص 29). وقال الشيخ سعيد حوى رحمه الله: “إن الطريق إلى الله هي آثاره التي تدل عليه وهي طريق وحيد، والعقل والفكر والعلم شروط أساسية لسالك هذا الطريق، إذ بدون عقل لن تعرف الآية، وبدون فكر لن يعرف صاحبها، وبدون علم لن تكون معرفة للآية أو لصاحبها” (كتاب (الله جل جلاله) ص 14). ويقول الدكتور أمير عبدالعزيز: “ودور العقل في هذه القضية عظيم، وهو موضع اعتبار الإسلام وتعظيمه ليكون في الدرجة الأولى من الأهمية والفعالية والعطاء ومن الوصول بالإنسان إلى مداخل الحق والخير وتمكينه من أسباب استيعاب الحقائق التي تملأ أرجاء هذا الكون المعمور وفي طليعتها حقيقة الإيمان بالله” (الإنسان في الإسلام، ص 83).. ومما يدل على مكانة العقل في الإسلام ما يأتي:
1- العقل شرط لصحة التكليف فلا تقرأ عن حكم شرعي إلا وجدته مبنياً على وجود العقل وسلامته (مغني المحتاج جـ 1 ص 130 و 131) . “وأساس التكليف هو العقل والفهم، فالعقل المدرك الفاهم هو عماد التكليف” (أنظر: الإحكام في أصول الأحكام جـ 1، ص 114. فقد جاء فيه “اتفق العقلاء على أن شرط المكلف أن يكون عاقلاً فاهماً لأن التكليف خطاب، وخطاب من لا عقل له ولا فهم محال” ا.هـ – وانظر: أصول الفقه –للشيخ محمد زهرة ص 314).
2- ذكر القرآن الكريم لفظ العقل ومشتقاته أكثر من أربعين مرة.
بعد أن بينت الأقوال المارة مكانة العقل في التشريع الإسلامي آن لنا أن نحيط بماهية العقل بتعريف جامع له، وقد ذكر أهل اللغة تعريفه ما يلي:
“العقل مصدر عقل وهو الحجر، الربط، الملجأ، والحصن. قال ابن الأنباري: رجل عاقل أي جامع لأمره ورأيه، مأخوذ من عقلت البعير إذا جمعت قوائمه. وقيل: العاقل هو الذي يحبس نفسه ويردها عن هواها، وقيل: العقل هو التثبت في الأمور، وهو الذي يعقل صاحبه عن التورط في المهالك. والمعقول هو ما تفعله بقلبك فالعقل بهذه المثابة هو القلب، والقلب هو العقل. كما قيل العقل هو التمييز وبه يفترق الإنسان عن سائر الأحياء، وبه يفهم الإنسان ما لا يفهمه الحيوان. وقيل المرأة تعاقل الرجل أي تساويه في الدية. والعقيلة هي المرأة الكريمة، وعقيلة البحر هي الدرة. ولذلك قيل عقيلة القوم: سيدهم (لسان العرب، م 2 ص 845)، وجاء في المنجد – عقل – أي أدرك. يقال: “ما فعلت منذ عقلت” أي منذ أدركت. والعاقل جمعه عقلاء وعاقلون عقال: المدرك، الفاهم، الحكيم. واعتقل الشاة: وضع رجلها بين فخذه وساقه فاحتلبها. وعقلت القتيل أعطيت ديته، وعقلت عنه: لزمته دية فأديتها عنه “والدية على العاقلة” واعتقل من دمه أخذ العقل (أنظر ترتيب القاموس المحيط على طريقة المصباح المنير وأساس البلاغة جـ 3 ص 277. وأساس البلاغة ص 430 و 431). هذه بعض تعاريف أهل اللغة.. أما في اصطلاح علماء الكلام فقد عرفه الإمام النسفي بقوله “هو قوة للنفس بها تستعد للعلوم والإدراكات وهو المعني بقولهم غريزة يتبعها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات وقيل هو جوهر تدرك به الغائبات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدة” (شرح العقائد النسفية ص 41).
وقال الإمام الغزالي “العقل اسم يطلق بالاشتراك على أربعة معان:
الأول: الوصف الذي يفارق الإنسان به سائر البهائم.
الثاني: هي العلوم التي تخرج إلى الوجود في ذات الطفل المميز بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات كالعلم بأن الاثنين أكثر من الواحد.
الثالث: علوم تستفاد من التجارب بمجاري الأحوال فإن من حنكته التجارب وهذبته المذاهب يقال أنه عاقل.
الرابع: أن تنتهي قوة تلك الغريزة أن يعرف عواقب الأمور ويقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة ويقهرها فإذا حصلت هذه القوة سمي صاحبها عاقلاً” (إحياء علوم الدين، جـ 1 ص 85 و 86).
وقال أيضاً:
“أما العقل فيطلق ويراد به النفس الإنسانية. الصفة النفسية، وهو بالنسبة إلى النفس كالبصر بالنسبة إلى العين، وهي بواسطته مستعدة لإدراك المعقولات كما أن العين بواسطة البصر مستعدة لإدراك المحسوسات” (معارج القدس في مدارج النفس ص 18 بتصرف يسير).
“وقيل أنه معرفة، وضعها الله في العبد تزيد وتتسع بالعلم المكتسب الدال على الضار والنافع” (العقل في مجرى التاريخ قبل الإسلام وبعده، ص 29).
ومن النظر في هذه التعاريف وغيرها نفهم الحكمة الربانية في جعل العقل مناط التكليف حتى قال العلماء: إذا أخذ ما وهب أسقط ما أوجب. فالعقل هبة الله تعالى للعقلاء والحمد لله رب العالمين.
<< السابق [الرئيسية] التالي>>