2012/08/14

السؤال:

سيّدي وشيخي العزيز…

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته…

السؤال: ورد في الحديث الشريف أنّ الميت يعذّب ببكاء أهله ونوحهم عليه، فكيف يعذّب على شيءٍ لم يكن قد فعله؟

نفع الله بكم وسدّد خطاكم.

 

الاسم: أحمد حسن

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

ورد حديث سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(أَلَا تَسْمَعُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلاَ بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا – وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ – أَوْ يَرْحَمُ وَإِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) متفق عليه.

وهذا من النصوص التي استشكلها العلماء رحمهم الله جلّ في علاه، لأنّ تعذيب شخص بفعل غيره يخالف بعض النصوص الشرعية ومنها قول الله سبحانه:-

{— وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى —} [سورة الأنعام: 164].

وأنّ الإنسان مرتهن بعمله لا بعمل غيره كما قال عزّ شأنه:-

{— كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [سورة الطور: 21].

وقد استشكلت الحديث الشريف أمّنا عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبيها عندما ذُكِرَ عندها:-

(أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ، فَقَالَتْ: وَهَلَ؟ (أي ذَهِلَ ابْنُ عُمَرَ) إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ وَذَنْبِهِ، وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ الآنَ) متفق عليه.

وحتى لو أخذنا بحديث سيّدنا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما فلا يمكن فهمه على ظاهره بل يجب تأويله، وقد ذهب بعض العلماء رحمهم الله جلّ وعلا إلى أنّ الميت يعذب ببكاء أهله ونواحهم عليه إنْ هو أوصاهم بذلك.

 

فقد كان من عادات الجاهلية أنّ البعض يوصي أهله بكثرة البكاء والنياحة عليه وذكر مآثره، ويعتقدون أنّ هذا مرتبط بشرفه وعلوّ منزلته، فيلحق ما يفعل أهله بعمله لأنّه هو الذي أمر بذلك.

وبعض العلماء رحمهم الله تعالى أوّلوا الحديث الشريف بأنّ الميت إذا علم بعادة أهله الخاصة بالبكاء والمبالغة فيه ولم يمنعهم أو يوصهم بالامتناع عنه فكأنّما رضي بفعلهم فهو يعذّب برضاه عن ذلك.

وبصفتنا نؤمن بالروح وخلودها وقواها يمكن أنْ أقول:-

إنّ الميت يُعذّب ببكاء أهله معناه: إنّه يطّلع على أحوالهم، فإذا رآهم في هذه الحال المزرية من عدم الرضا بقدر الله عزّ وجلّ وقضائه ويعذّبون أنفسهم بهذه النياحة وربما بلطم الخدود وشقّ الجيوب فهو بلا شكّ يتأذّى بذلك كما أنّه في الحياة الدنيا يتأذى إذا رآهم في حال مؤلمة.

وهنا لا بُدّ أنْ أوصي مَنْ يعلم في مجتمعه تفشي هذه العادات السيئة التي تغضب الله تعالى أنْ يأمرهم بتركها واستبدالها بكثرة الدعاء وتلاوة القرآن الكريم، لتسكن خواطرهم وتنزل على ميتهم الرحمة والاستبشار، فتعذيب النفس وتحميلها فوق طاقتها ليس من شرع الله عزّ وجلّ في شيء، قال عزّ من قائل:-

{— وَلَا تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [سورة النساء: 29].

ونهى سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه التكلّف في العبادة وإيذاء النفس، فعَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ:-(بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ، إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ، فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيلَ، نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلاَ يَقْعُدَ، وَلاَ يَسْتَظِلَّ، وَلاَ يَتَكَلَّمَ، وَيَصُومَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.