2012/08/12

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيّدي الحبيب جزاكم الله تعالى عنا وعن المسلمين خير ما جزى مرشداً عن أمة سيّدنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، سؤالي: هل للسحر حقيقة؟ وما حكم تعاطيه؟

 

الاسم: مثنى

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

وجزاكم الباري عزّ وجلّ خيرًا ووفقكم لطاعته.

قبل تناول موضوع السحر يجب التأكيد على حرمة تعلمه وممارسته لأي سبب كان، فهو من الكبائر بل من الموبقات التي ذكرها سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم في قوله:-

(اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ، قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

وعلى المسلم أن يتجنبه ويتنزه عنه  قدر الإمكان لأنه من الباطل والفساد كما جاء حكاية على لسان سيّدنا موسى عليه السلام:-

{فَلَمَّا أَلْقَواْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} [سورة يونس عليه السلام: 81].

وقال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ خَمْرٍ، وَقَاطِعُ رَحِمٍ، وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ —) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد تقدّست أسماؤه.

والشرع الشريف ينبذ الأمور الغامضة غير المبنية على الضوابط الشرعية كالسحر.

 

والذي يقوم غالباً على التعامل مع الجانّ والأرواح الخبيثة الشريرة وتدخل فيه خفة اليد والشعوذة وبعض الرياضات التي تؤدي إلى أفعال لا تُتوقع من أشخاص عاديين.

ومسألة حقيقة السحر خلافية بين الفقهاء رحمهم الله سبحانه، فالذين قالوا بإنكاره استندوا إلى قول الله عزّ وجلّ:-

{— فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} [سورة الأعراف: 116].

وقوله جلّ ذكره:-

{— فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [سورة طه: 66].

ولكن الذي أفتي به هو أنّ للسحر حقيقة، فكونهم سحروا أعين الناس يدلّ على حقيقة التأثير في الآخرين بحيث جعلوا أعين الناس مسحورة ترى غير الحقيقة وجعلوا قلوب الناس مفتونة، فالحبال والعصي كانت في أعين الناس تسعى سواء كان هذا السعي باستعمال مواد تتمدد بالحرارة كما قيل، أو إنّه تخييل، ففي الحالتين هي للناظر تسعى.

وقد ذكره الله سبحانه في كتابه الكريم في عدة مواضع منها قوله عزّ وجلّ:-

{وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [سورة البقرة: 102].

ففي الآية الكريمة تأكيد على حقيقة السحر وتأثيره بحيث يفرّق بين الزوجين، وهذه من صور الفتن والامتحان في الحياة الدنيا، فكثير من الناس تدعوهم أهواؤهم لسلوك هذه المسالك، فالله جلّ جلاله وعمّ نواله بيّنها وحذّر منها:-

{— فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ —} [سورة الكهف: 29].

ويجب التأكيد على أنّ أيّ شيء لا يحصل في هذا الوجود مستقلا عن مشيئة الله سبحانه، فلا أحد يستطيع أنْ ينفع أحدا أو يضرّه إلّا إذا شاء الله عزّ وجلّ.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.