2012/07/02

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أسأل الله العلي القدير أنْ لا يحرمنا من بركات توجّهاتكم وصالح دعواتكم وكرامة صحبتكم آمين.

سيّدي شرّفني الله تعالى بالخدمة في مسجد {متولي} وفيه بئر بفضل الله تعالى، فيه ماء كثير، والمنطقة تفتقر للماء، فهل يجوز إعطاؤهم من ماء المسجد؟ علمًا أنّ المضخّة هم الذين يجلبونها؟

وأعتذر عن الإطالة، وجزاكم الله تعالى كلّ خير.

 

الاسم: صالح

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

جزاك الله جلّ وعلا خيرًا على مشاعرك الطيّبة ودعواتك المباركة، وأدعو الله عزّ وجلّ أنْ يوفّقك لخدمة بيوته والناس أجمعين.

لا بأس في ذلك، فإنّ سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه قال:-

(الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْكَلَإِ، وَالْمَاءِ، وَالنَّارِ) الإمام أبو داود رحمه الودود جلّت صفاته.

وهناك تعدّد في الآراء الفقهية التي تخصّ شرعية نقل الأموال الوقفية من مكان إلى آخر بسبب انتفاء الحاجة لها أو تلفها، والذي أراه هو:-

إحسان الظنّ بالقائمين على المساجد بأنّهم يحافظون على أموال الوقف ويضعونها حيث تتحقّق المصلحة.

ولذلك سبق لي أنْ أوصيت أحبابي القائمين على المساجد بقبول ما يَرِدُ من هبات وقفية بنيّة منفعة عموم الخلق، بهدف عدم الوقوع في الحرج عند اضطرارهم لنقلها إلى مساجد أو أمكنة أخرى أشدّ حاجة من المساجد التي خصّصت لها في الأصل وأكثر أجرًا للواقفين.

وهذه الوصية أؤكدها هنا من خلال هذا المنبر المبارك وأدعو المسلمين أنْ يجعلوا أوقافهم تعمّ منفعة المسلمين أينما كانوا وحيثما تتحقق مصالحهم دون تحديدها بمكان أو زمان.

وهذا -والله تعالى أعلم- هو المقصد الأسنى من تشريع الوقف في الإسلام، ويؤكّد هذا الترجيح روح التشريع لأنّ الله تبارك اسمه أمرنا بحفظ الأموال، وقد رأيت بأمّ عيني كيف أنّ كثيرًا من الأموال الوقفية أتلِفَت في أماكنها دون الاستفادة منها، بحجّة أنّها أوقِفَت لمكان محدّد نتيجة لتمسّك المسؤولين عن الوقف بالرأي الذي يقول بعدم نقل العين الموقوفة إلى مكان آخر، وهذا ينافي روح ومقاصد التشريع الإسلامي الحكيم الذي جاء لحماية الأموال وتنميتها وتعميم الفائدة منها.

هذا في الأموال العينية، فما بالك بالماء الذي أنزله الباري سبحانه واستودعه في الأرض، قال الله جلّ جلاله:-

{وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} [سورة الحجر: 22].

وقال عزّ من قائل:-

{وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} [سورة المؤمنون: 18].

وقال جلّ وعلا:-

{أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ} [سورة الواقعة: 68 – 70].

فلا شكّ أنّ إعطاءه لأهل الحيّ أوفق وينسجم مع الشرع الشريف خاصّة أنّهم يتكفلون سحب الماء بمعدّاتهم وأموالهم، وهذه وسيلة من وسائل ربط القلوب بالمساجد وهو محور من محاور إحياء رسالة المسجد ذلك المشروع المبارك الذي أسأل الله جلّ في علاه أنْ يوفقني وأحبابي وكلّ الطيّبين من المسلمين والمسلمات للقيام عليه وإنجاحه تمهيدًا لتجديد دين الله تبارك اسمه.

وهنا لا بُدّ لكلّ مَنْ يقرأ السؤال أنْ يستفهم من المسؤولين عن البلد الذي يحتضن الرافدين العظيمين ويطفو على بحيرة من نفط كما يُقال ويتباهى مسؤولوه بأنّهم أعدّوا أكبر ميزانية في تأريخه الحديث: أين حصة هؤلاء الناس الذين يلجؤون لأخذ ماء بئر المسجد من هذه الميزانية الكبيرة والأموال الطائلة؟! لا نملك إلّا أنْ نقول: إنّا لله وإنّا إليه راجعون.

والله جلّ جلاله أعلم.

وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الجود والكرم.