2012/05/05
السؤال:
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته، أسأل الله تعالى ان يحفظكم ويرعاكم.
في كثير من الأحيان أصلي الفريضة في البيت كسلاً فهل علي إثم؟
الاسم: ابو ابراهيم
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، جزاك الله تعالى خيرا على دعآئك ولك بمثله.
الآرآء الفقهية حول صلاة الجماعة تتردد بين الوجوب والسنة المؤكدة والإستحباب، والذي أراه أقرب إلى الصواب –والله سبحانه وتعالى أعلم- هو الرأي الثاني لأن الأحاديث الشريفة نوّهت بأجر وفضل صلاة الجماعة على صلاة المنفرد فدلت على أن الصلاة بغير جماعة صحيحة ولو أن الجماعة كانت واجبة لما صحت صلاة المنفرد كما لايخفى فالأحاديث بينت التفاضل فقط.
قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم (صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) متفق عليه. وهذا الحديث الشريف وأمثاله فيه إقرار بقبول صلاة المنفرد حيث ليس من المنطق التفاضل بين الموجود والمعدوم.
ولكن على المسلم معرفة فضل صلاة الجماعة وعدم التساهل فيها لأن الإسلام دين الجماعة، و الإجتماع يؤدي إلى التآلف والتعارف ويمهد إلى التعاون في كثير من الأمور التي تهم المسلمين لأن الإبتعاد يضعفهم جميعاً ويشتت أمرهم، وعدم الحضور في الجماعة يفوّت على المسلم خيراً كثيراً، ومن ذلك التخلص من مشاغل الحياة ومشاكلها التي تتعب جسمه وذهنه طوال اليوم فيجد في حرم الصلاة الراحة والطمأنينة التي يفتقدها، خاصة إذا أخلص النية وتوجه إلى خالقه جل وعلا بالعبادة الصادقة، فالله عز وجل فتح بيوته وأمر المؤذنين بدعوة الناس إليها لينهلوا من بركاته وخيراته، فلو أن أحد الوجهآء دعا الناس إلى بيته ليُكرمهم ولم يكن هناك حرج في الوصول إليه ثم وعدهم بتلبية طلب كل واحد منهم فهل سيتأخر أحد عن هذه الدعوة؟
والمسلم بتوجهه إلى بيت الله عز وجل عليه أن يثق أن حضوره يتوافق مع حضور الملآئكة المبعوثين من ربهم عز وجل ليشهدوا طاعة المسلمين لخالقهم جل وعلا، قال الله تعالى {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} الإسرآء 78. وقال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم (يَتَعَاقَبُونَ عَلَيْكُمْ مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، فَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ وَصَلاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعَلَمُ، كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ) متفق عليه. فالتقآء المصلين بأهل الملأ الأعلى فيه فرصة لتلقي البركات والأنوار التي يحملونها معهم والتفاعل مع هذه الحقيقة من خلال الإيمان بها يدفع المسلم للحرص على الحضور إلى المسجد وصلاة الجماعة.
وما أجمل أن يتذكر الإنسان وهو في بيت الرحيم الرحمن جل جلاله وعمّ نواله قول النبي العدنان عليه الصلاة والسلام (الْمَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، وَتَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ) متفق عليه. فأي خير يفوت هذا الإنسان الذي يتهاون بصلاة الجماعة.
وأذكر في هذه المناسبة قصتين إحداهما عن السلف الصالح رضي الله عنهم وعنكم والثانية من الزمن المعاصر:
فسيدنا عامر بن عبدالله بن الزبير بن العوام رضي الله عنه لما كبر وكان مريضاً سمع ندآء صلاة المغرب فقال لأبنآئه: إحملوني إلى الصلاة. فتعذر أولاده له بكبره وعجزه، فقال رضي الله عنه متسآئلا: أسمع ندآء ربي ولا أجيب؟! إحملوني. فحملوه إلى المسجد ثم أسلم الروح لخالقها في الركعة الثانية رضي الله تعالى عنه.
ومن الزمن المعاصر سمعت قصة رواها فضيلة الشيخ الدكتور أحمد عيسى إمام وخطيب جامع المأمون في بغداد أعاد الله تعالى لها أيام مجدها وعزها، وهي قصة شهدها عندما كان في مدينة البصرة الفيحآء مدينة الصحابة والتابعين والأوليآء رضي الله عنهم نسأل الله تعالى أن يحميها ويبعد عنها شرور المفسدين وعقآئدهم، يقول فضيلة الشيخ:
من بين مصليي المسجد الذي كنت أصلي فيه رجل كبير السن لم يثنه العجز والمرض عن حضور الجماعة فكان إبنه يحمله على ظهره خمس أوقات في اليوم من بيته البعيد إلى مسجد الحي فيقيمه في صفوف الصلاة ثم وبعد إنقضآئها يعيده محمولاً كما جآء به. فسبحان من زرع في قلوب هذه الذوات التعلق بمساجد ربهم جل جلاله وعم نواله تعلقاً وحباً أذهلهم عن أمراضهم وعجزهم.
وأختم جوابي بدعآء سيدي حضرة الشيخ عبدالله الهرشمي طيب الله روحه وذكره وثراه ففي كل مرة كان يهم بالخروج من المسجد يلتفت إليه رافعاً يديه بالدعآء (اللهم اجعل قلوبنا معلقة بالمساجد).
والله سبحانه وتعالى أعلم.