5/7/2011

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أسأل الله أنْ يحفظكم ويمدّ في عمركم مع دوام الصحة والعافية، وينفعنا الله من بركاتكم ونظركم علينا.

سؤالي هو:-

كيف يترقّى المؤمن ويقترّب من الله؟

وهل الرقي كسبي أم وهبي؟

وكيف يترقى الأولياء والعارفون بعد أنْ نالوا الولاية؟

ولكم جزيل الشكر

 

الاسم: أبو فائق

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

بارك الله عزّ وجلّ فيك على مشاعرك الصادقة ودعواتك المباركة ولك بمثلها.

الترقي والقرب من الله جلّ جلاله وعمّ نواله يتناسب والأعمال الصالحة التي يصاحبها الذكر والحضور والإخلاص، والاقتراب من الله تعالى لا يقاس بزمن يستوجب ذلك، فربّ لحظة يختلي فيها المؤمن مع خالقه تعالى أو عمل لا يلقي له بالاً يرفعه الله سبحانه به مقامًا عليًّا، خاصّة أنّ الاقتراب ليس من جانب واحد بل من جانبين إذا صحّ التعبير، فإنّ الباري تبارك اسمه يقول على لسان رسوله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم:-

(إِذَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِذَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وإذا أتى إلي مشيًا أتيته هرولةً) الإمام البخاري رحمه الله عزّ شأنه.

والترقّي كسبي ووهبي، فالكسبي مِنْ عمل المؤمن ومجاهدته لنفسه الأمّارة بالسوء، وعلى قدر نجاحه في المجاهدة يتقرّب وتعلو منزلته عند الله عزّ وجلّ، قال سبحانه:-

{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [سورة العنكبوت: 69].

وقال أيضًا:-

{— وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [سورة العلق: 19].

فبمجاهدته وكثرة سجوده: سجود بالمعنى العام والخاص، فالمعنى العام: هو الاستسلام والانقياد لأمر الله جلّ في علاه كحال كلّ مخلوقاته، قال عز شأنه:-

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ —} [سورة الحج: 18].

والمعنى الخاص يتحقق في صورتين:-

الأولى: الصلاة، قال سبحانه:-

{وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [سورة ق: 40].

والمقصود بالسجود هنا هو الصلاة.

والثانية: السجدة المعروفة والتي تكون بوضع الجبهة على الأرض مع بقية أعضاء السجود الواردة في حديث حضرة النبيّ المحمود صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ وَلا أَكُفَّ شَعْرًا وَلا ثَوْبًا) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ جلاله.

وفي الحديث الذي يرويه سيّدنا ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله تعالى عنه إشارة إلى أنّ كثرة السجود أو كثرة الصلاة سبب للقرب من الله تعالى، قال:-

(كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي: سَلْ، فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ: أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ. قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

أمّا كيف يترقّى الأولياء والعارفون رضي الله تعالى عنهم وعنكم فهم كسائر المؤمنين يترقون بالأسباب التي ذكرتها إجمالاً، وقد تنزل مكانتهم عند الذنوب فهم ليسوا معصومين، فقد روي أنّ سيدنا إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى ذهب يومًا إلى السوق، فلمّا وضع البائع البضاعة في كفّة الميزان جعلها ترجح بشكل بيّن، فلمّا نام ابن أدهم رضي الله تعالى عنه وعنكم رأى ملكين يقول أحدهم للآخر: (هذا الذي نزلت درجته لأنّه رضي أنْ ترجح كفّة بضاعته!!) ومع أنّ رجحان الكفّة ليس محرّمًا ولكن مَنْ هم بمنزلة سيّدنا ابن أدهم رضي الله تعالى عنه وعنكم لا يرضون بأكثر من القسط، قال عزّ وجلّ:-

{وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} [سورة الرحمن: 9].

حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تختلف درجاتهم عند ربّ العزّة جلّ جلاله وعمّ نواله الذي قال:-

{تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ —} [سورة البقرة: 253].

وقال كذلك:-

{هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 163].

أمّا الوهبي: ففضل من الله سبحانه ورحمة، قال جلّ وعلا:-

{يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 74].

فمن رحمة الله عزّ وجلّ تقريب العبد إليه، والله تبارك وتعالى لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون.

والحاصل أنّ الإنسان يجب أنْ يحافظ على الفرائض ويزداد من النوافل ويتطلّع إلى رحمة ربّه كي يزداد قربًا، وقد جاء في القرآن الكريم أمر الله جلّ في علاه:-

{— وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [سورة النساء: 32].

وروى سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم الحديث القدسي عن ربه عزّ وجلّ:-

(مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ ذكره.

ويزداد المسلم قربًا من الله جلّ وعلا بكثرة المراقبة، ولهذا جاء من أسماء الله تعالى الرقيب والقريب مع ما يحملانه من تطابق الأحرف، فكأنّ نتيجة المراقبة هي القرب من الله عزّ وجلّ، فيا رفيقي القارئ راقب واقترب.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّد المرسلين، وإمام المتقين، نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه الميامين.