1/7/2011
السؤال:
كيف هو تفسير حضرتكم حول حديث حضرة سيدنا الرسول الكريم الولد وما يملك لأبيه لأنني أعاني معاناة شديدة في هذا الموضوع.
أرجو من حضرتكم الجواب بشكل تفصيلي،
جزاكم الله خيراً
الـرد:
قبل الإجابة عن سؤالك، أود تذكيرك بضرورة الامتثال لأمر الله تبارك وتعالى بالصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم عند ذكره قال عزّ وجلّ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب/56].
أما بالنسبة لجواب سؤالك، فإن نص الحديث الشريف الذي ذكرته هو: (جاء رجل بأبيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يقتضيه ديناً عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنت ومالك لأبيك) الأئمة أحمد وأبو داوود وآخرون رحمهم الله تعالى، وهذا توجيه نبوي عظيم لوجوب القيام بحق الوالد وعدم معاملته كالآخرين، ولا يعني بالمطلق جواز نزع الملكية من الولد إلى أبيه، فالأصل أن الوالد هو من يعيل ابنه، فقد نقل الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره صورة من صور يوم القيامة إلى أن يقول: (…وَإِنَّ الْوَالِدَ لَيَتَعَلَّقُ بِوَلَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ، أَيُّ وَالِدٍ كنتُ لَكَ؟ فَيُثْنِي خَيْرًا، فَيَقُولُ لَهُ: يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدِ احْتَجْتُ إِلَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ حَسَنَاتِكَ أَنْجُو بِهَا مِمَّا تَرَى. فَيَقُولُ لَهُ وَلَدُهُ: يَا أَبَتِ، مَا أَيْسَرَ مَا طَلَبْتَ، وَلَكِنِّي أَتَخَوَّفُ مِثْلَ مَا تَتَخَوَّفُ، فَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا…) فعبارة (أي ّوالد كنت لك) الواردة في الوصف تغني عن تفاصيل ما يبذله الوالد على ولده من مال وجهد وسهر وغيره، وفيها إشارة لواجب كل أب تجاه أبنائه، وكذلك في قوله تبارك تعالى: {…وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا…} [البقرة/233]، والحديث الشريف الذي ذكرته في صدر الجواب يعطي حقاً للوالد بأن يأخذ من مال ابنه عند حاجته وبقدر هذه الحاجة ودون أن يخلّ بالحاجات الضرورية للابن، وأن لا يعطي ما يأخذه إلى ابن آخر، وفي نفس الوقت جاء لحادثة تبين جحود الولد وسوء تعامله مع والده، ونظرة إلى العلاقة التي بين أفراد العائلة الواحدة وما يسري بينهم من انبساط بحيث يطلب أحدهم من الآخر دون حرج، أو يأخذ حتى بدون استئذان، فقد جاء في الحديث الشريف أن امرأة أبي سفيان رضي الله عنه جاءت إلى سيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم فقالت: (يَا رَسُولَ اللَّهِ اِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ (بخيل) وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي اِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَقَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ) الإمام البخاري رحمه الله تعالى، وبحسب الظرف نفهم هذا الحديث موضوع سؤالك، وكذلك نعلم أن ما يأخذه الأب أو الأم من ابنهما فإنه سيعود عليه نفقة أو إرثاً حيث إنهما ينتقلان من هذه الدنيا في الغالب قبل الأبناء، فإنفاق الأبناء على الآباء تجسيد لحسن القيام بواجبهما، قال تعالى: {…وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا…} [سيدنا لقمان عليه السلام/15]، ومن المعروف: القيام بكفايتهما عند حاجتهما، وللحديث الشريف: (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم) الأئمة الترمذي والنسائي وابن ماجه رحمهم الله تعالى، ومن هنا أجمع الفقهاء على أن نفقة الوالدين الذين لا كسب لهما واجبة في مال الولد، وذلك بشرط يسار الولد وبعد نفقة نفسه وزوجته وذريته، فإن لم يكن موسراً فلا شيء عليه لقوله تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق/7]، فهذا هو الواجب في مال الأبناء للوالدين الفقيرين، والزائد عن هذا الواجب يكون من باب البر والإحسان، والأبناء مطالبون بذلك لجبر قلوب الآباء والأمهات.
أما التصرف من قبل الوالدين في مال الأبناء بعد ذلك فهو من الظلم، وقد قال الله تبارك وتعالى: {وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [النساء/32]، وقد أجمع الفقهاء على أن ليس للوالد الفقير حق في مال ولده إلا النفقة بقدر الطاقة كما بينت سابقاً.
والله سبحانه وتعالى أعلم.