1/6/2011

السؤال:

شيخي الكريم السلام عليكم.

أعتذر عن كلامي، ولكنّي في حالة من اليأس لا يعلم بها إلّا الله، والشك في عقيدة تحث على الزواج وليس بالإمكان توفير السكن، والعيش مع الأهل أمر يعلم الناس كم من المصائب فيه، نذهب بغمّ ونرجع للبيت لنزداد همًّا، ولا أعلم لماذا الحث على الزواج في وقت لا يصلح فيه الزواج، هل هذا عدل من عدالة الدين أم هو جور؟

دعاؤكم لكيلا أزل وينتهي بي المطاف للجنون أو الكفر والعياذ بالله.

 

الاسم: م.س

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

على المسلم أنْ لا يدع لليأس والقنوط سبيلاً إلى قلبه، فقد حذر الله سبحانه من ذلك في قرآنه العظيم ناقلاً حديث الملائكة الكرام مع سيّدنا إبراهيم عليه السلام:-

{قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ} [سورة الحجر: 55 – 56].

وحديث سيّدنا يعقوب عليه السلام لبنيه:-

{يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [سورة سيّدنا يوسف عليه السلام: 87].

أمّا الدين الحنيف، والذي يحثّ على الزواج من خلال الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، فهدفه تبيان أهميّة هذه الرابطة المقدّسة، وتتضمّن هذه النصوص حثّ أصحاب الشأن من شباب وأولياء أمور ومؤسسات مجتمعية وحكومية لتيسير هذا الأمر وتذليل الصعاب لإتمام تأسيس اللبنات الأولى للعائلة المسلمة، فكلام أهل العلم حفظهم الله تعالى هو تشجيع الأهل على عدم التعنت في طلباتهم تجاه من يريد خطبة ابنتهم، وتذكيرهم بقول سيّدنا المصطفى عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه أهل التقى:-

(إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ؟ قَالَ: إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ في علاه.

وكذلك وجه سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه كلامه للشباب المسلم مرشدًا لهم:-

(يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) متفق عليه.

فتضمن هذا الحديث الشريف عنصرين:-

الأول: الحثّ على الزواج.

والثاني: الدعوة لمَنْ لا يستطع الزواج التصبّر والأخذ بأسباب ذلك ومنها الصوم.

وهذه سنّة الحياة الدنيا، فالنقصان والابتلاء يعتريانها في كلّ جوانبها، وواجب المسلم أنْ يصبر على أذاها وأذى أهلها، واضعًا نصب عينيه رضا ربّه جلّ جلاله، وكون أن خطابًا معينًا صادف شخصًا غير مؤهل له لا يعدّ دافعًا لليأس أو البؤس، فكثيرًا ما يسمع من فقد يديه آيات غسل اليدين، وكثيرًا ما سمع من فقد القدرة على المشي فضل الخطوات إلى المساجد، فلهؤلاء ولأمثالهم أجر الصبر على البلوى وأجر النيّة، فكما قال سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه:- (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى —) الإمام البخاري رحمه الله سبحانه.

فاستعن بالصبر والتضرّع إلى ربك عز وجل أن يذلل لك الصعاب، ويرزقك زوجة وأبناء صالحين يعينوك في دينك ودنياك، وعلى هذا فلا تعارض بين هذه الهدايات كما أشكل عليك، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يحميك من كلّ سوء.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الجود والكرم.