16/2/2011
السؤال:
سيدي وشيخي:
أطال الله في عمركم الكريم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
سيدي: إنّي خريج كلية الإدارة والاقتصاد قسم إدارة الأعمال منذ 3 سنوات، وقد سعيت للتعيين في دوائر الدولة، ولكن -المشتكى لله وحده- بدون جدوى، عرضوا عليّ أخيرًا التعيين في إحدى دوائر الدولة ولكن بمبلغ من المال حوالي 2500 دولار!! فما رأي الشرع في ذلك؟
أفيدوني أفادكم الله وأطال في عمركم الكريم.
الاسم: يحيى الدوري
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
جزاك الله عزّ وجلّ خيرًا على دعواتك الطيّبة وأدعو لك بما هو أطيب وأسأله جلّ وعلا القبول.
مِنَ المعلوم أنّ هناك درجات وظيفية محدودة تُمنح كل عام مِنْ قِبل الدولة للوزارات والهيئات المرتبطة بها، ومِنَ المفروض أنْ تُمنح هذه الدرجات لمستحقيها، فإذا تمّ بيعها فمن الطبيعي أنّ هذا يؤثر سلبا على مَنْ يستحقها فعلا؛ فهم بالتأكيد سيُحرمون منها، وهم أولى النّاس بها، ومِن المعلوم أنّ مَنْ يقوم بعملية بيع الدرجات الوظيفية أو يكون وسيطا في ذلك هو أبعد ما يكون عن الصدق، وأنّى له ذلك وقد خان الأمانة؟!
وعليه فإنّني ومِنْ هذا المنبر المبارك أدعو جميع الساعين لطلب الرزق بالتوكل على الله تعالى الرزاق المُعطي؛ قال تعالى:-
{— فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [سورة العنكبوت/17].
ويبتغوا الوسائل المشروعة في طلب الرزق، ومِنْ أعظمها تقوى الله عزّ وجلّ القائل في مُحكم كتابه العزيز:-
{— وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [سورة الطلاق: 2 – 3].
كما وأوجّه اللجان المُختصّة بالتعيينات ومَنْ له دور في ذلك مِنَ العاملين في الوزارات المختلفة أنْ يتقوا الله تعالى ويُراجعوا دوافع الحياء في نفوسهم … أفلا يستحون؟! وهم الذين يزعمون أنّهم جاءوا باسم الدين، وينادون بمظلومية المظلومين! قال إمام المتقين الذي أخجل الحياء بحيائه الكريم صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه أجمعين:-
(إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ) الإمام البخاري رحمه الله تعالى.
كما أودّ أن أشير بأنّ رزق الله تعالى غير محصور بالتعيين في الدوائر الحكومية؛ فهل عاش الناس جميعًا، قديمًا وحديثًا على الوظيفة الحكومية؟
وكم فتح الله تعالى على كثير مِنَ الناس عن طريق العمل الحرّ والسعي في الأرض لطلب الرزق! قال جلّ ذكره:-
{— وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ…} [سورة المزمل: 20].
وقال سبحانه:-
{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [سورة الجمعة: 10].
فَلْنتأمل كيف أنّه أمرنا بالانتشار في الأرض لابتغاء فضله جلّ جلاله وعمّ نواله بعد أنْ أذن لنا مشرِّفا بذكره وذلك بقوله:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [سورة الجمعة: 9].
ثمّ رتّب الفلاح على الاستجابة للأمرَيْن (ذِكْره، وابتغاء فضله) فدلّ على أنّ حضارة الإسلام حضارة روحية علمية تنموية، فمَنْ سار على هذا النهج تحقّق له الفلاح في الدنيا والآخرة بفضل الخالق سبحانه، ثمّ بصد التزام العبد.
أمّا إذا كان المرء مضطرا للتعيين، وهو يعلم يقينًا بشهادة أهل الخبرة أنّه أهلٌ لشغل تلك الدرجة الوظيفية؛ فأرجو الله تعالى أنْ لا يكون عليه حرجٌ ولا مؤاخذة بدفع المبلغ.
والله عزّ وجلّ أعلم
وصلّى الله تعالى وسلّم على نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.