16/12/2010

السؤال:

السلام عليكم شيخنا الفاضل.

 ظهرت في الآونة الأخيرة بعض الفتاوى على شاشات الفضائيات تبيح وتجيز الغناء وقدمت أدلة على ذلك وأخرى لا تجيز وتحرم فما هو حكم الشرع الشريف في الغناء ونحن في وقت كثرت فيه الفتاوى حتى اختلط الأمر على الكثيرين وجزاكم الله خيراً.

 

الاسم: إياد المساري

 

الـرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

هذا الموضوع ممّا تتسع له الأحكام الفقهية وهذه من ميزات الشريعة الغرّاء، وخير من كتب في هذا الموضوع هو حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله سبحانه، وتستطيع مراجعته عبر هذا الرابط:-

http://www.ghazali.org/ihya/ihya.htm

ثم اضغط على موضوع السماع والوَجْد في ربع العادات، وتستطيع أنْ تلمح رأي الإمام رحمه الله عزّ وجلّ من خلال وضع هذا البحث في ربع العادات ولم يضعه في ربع العبادات أو المهلكات، ولكن يجب تثبيت ما يلي:

1- القائلون بإباحة الغناء وصفوه كالإناء يتبع حكم ما يوضع فيه، فالكلام المحرّم يبقى على حكمه سواء كان مغنى أو مكتوباً أو ملفوظاً.

2- إنّ المباح بل حتى المندوب إذا أسرف فيه ينقلب الى مكروه أو حرام.

3- وكذلك إذا أصبح مانعاً من تأدية فرض أو واجب.

4- ما يصاحب غناء هذه الأيّام من صخب ورقص واختلاط لا تجوز إباحته، ولعلّ هذه الصورة من المجون هي المقصودة بأحاديث سيّد المرسلين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين، التي إنْ صحّت أسانيدها كانت دليلاً على تحريم الغناء والمعازف حين تكون مجتمعة بهذا الشكل.

5- لا يجوز بحال من الأحوال استخدام المعازف ومنها الدفوف في العبادات والذكر، وتشتدّ حرمة ذلك إذا كانت في المساجد.

جاء في فتاوى حضرة الشيخ مصطفى الهرشمي طيّب الله روحه وذكره وثراه:-

(لَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي العِبَادَاتِ لَا تُؤَدَّى قَطُّ رَقْصًا أَوْ ضَرْبًا عَلَى الآلَاتِ أَوْ نَفْخًا فِي المَزَامِيْرِ، فَهَذِهِ الآلَاتُ لَا تَصْلُحُ لِعِبَادَتِنَا وَمَعَابِدِنَا) النجم الزاهر للأستاذ نكتل كشمولة رحمه الله جلّ في علاه ص96.

6- النصوص التي وردت في إباحة الغناء والمعازف تكاد تنحصر في مناسبات، منها:-

أ- الإعلان، كالإعلان عن قدوم غائب أو تجارة ونحوها.

ب- الترويح عن النفس لأنّ هذا الدِّين فيه فسحة والحمد لله ربّ العالمين.

ج- التقوية للقيام بالأعمال الجليلة التي فيها كلفة شديدة على النفس كالقتال في سبيل الله تبارك وتعالى.

د- التشويق لأداء الفرائض بذكر حِكَمها وأجور القائمين بها كتلك التي تشوق المسلمين والمسلمات لحج بيت الله الحرام، وزيارة حضرة خير الأنام عليه وعلى آله وصحبه الصلاة والسلام، والتشرّف بالمسجد الأقصى المبارك -فكّ الله جلّ وعلا بحوله وقوّته أسره-.

وغيرها من المناسبات، ونتشرّف بذكر بعض هذه النصوص:-

عَنِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا:-

(زَفَّتِ امْرَأَةً إِلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عَائِشَةُ، مَا كَانَ مَعَكُمْ لَهْوٌ؟ فَإِنَّ الأَنْصَارَ يُعْجِبُهُمُ اللَّهْوُ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وفي رواية أخرى عنها قال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام لها:-

(أَهَدَيْتُمُ الْجَارِيَةَ إِلَى بَيْتِهَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلَّا بَعَثْتُمْ مَعَهُمْ مَنْ يُغَنِّيهِمْ يَقُولُ: أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ فَحَيُّونَا نُحَيَّاكُمْ، فَإِنَّ الْأَنْصَارَ قَوْمٌ فِيهِمْ غَزَلٌ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد تقدّست أسماؤه.

وقوله (فِيْهِمْ غَزَلٌ) اسم من المغازلة ومثلهم لا يخلو عن حبّ التغنّي.

 

وكخروج أهل المدينة المنورة عند تشريف حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم يغنون ويضربون على الدفوف مبتهجين بقدومه الشريف.

وكذلك لعب الأحباش في العيد داخل المسجد، وهاتان قصتان مشهورتان عند الجميع.

وكالحداء الذي يستعمل في تنشيط الإبل والترويح عن المسافر الذي يقطع مسافات طويلة مع ما يرافق ذلك من مشقة، فقد جاء تنبيه حضرة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لـ (أنجشة) رضي الله تعالى عنه والذي كان يحدو الإبل فطربت هذه لحَدْوِهِ فأسرعت السير، فخشي عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام أنْ يؤدي إسراعُها إلى سقوط أو أذيّة النساء الظعائن فقال:-

(وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ رُوَيْدَكَ سَوْقًا بِالْقَوَارِيرِ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ جلاله.

7- لمّا كان الغناء بالآلات أو بدونها من المسائل التي تتسع فيها الأحكام فينبغي على المسلمين أنْ يلاحظوا نواياهم فيها، فالأعمال بالنيّة كما هو معلوم ومشهور، فمَنْ نوى بالغناء عونًا على المعصية وترويجًا للفسق فهو آثم بلا شك، ومَنْ نوى ترويحًا عن نفسه أو تقوية لها على الطاعة في الأمور الهامّة فهو مطيع بإذن الله عزّ شأنه، على أنْ يلتزم بالضوابط التي ذكرت في هذه الفتوى.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.