20/10/2010
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا الحبيب رعاه الله،
لقد قرأت هذا الحديث على الإنترنت: ما صب الله في صدري شيئاً إلا وصببته في صدر أبي بكر. فهناك أقاويل بأن هذا الحديث موضوع.
سؤالي هو: إن صح هذا الحديث، فهل يعتبر دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتوجه على الصحابه بطاقة روحانية من صدره وكان يخص بها سيدنا أبا بكر الصديق عليه الرضوان؟
وإن لم يصح ذاك الحديث، فبأي دليل أستطيع أن أستأنس وبه يكون إيماني على حقيقة بأن الرسول صلى الله عليه ويسلم كان يتوجه على الصحابه من قلبه الشريف وهكذا من ورثه من الصحابه ومن بعدهم، كما قال عليه الصلاة والسلام: أنا أمان أصحابي، وأصحابي أمان من يليهم إلى يوم القيامة.
مع فائق الشكر والتقدير
المحب – حسين علي
الـرد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
الحديث الذي أوردته في بداية السؤال ليس له أصل -حسب علمي- ولكن معناه صحيح بالشكل العام لأن منزلة سيدنا أبي بكر الصديق عند سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيمة كما هو معلوم، فإنه رضي الله عنه لازم حضرة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قبل البعثة إذ كان صديقه وبعد البعثة حيث تشرف بالصحبة فنهل من بركات النبوة، وكان لسيدينا أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم منزلة خاصة، فقد رثى سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله خليفة المسلمين عملاق الإسلام وفخر الأمة سيدنا عمر رضي الله عنه حين شرفه الله عز وجل بالشهادة فقال: (ما خلفت أحداً أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحسبت إني كنت كثيراً أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذهبت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر) البخاري رحمه الله تعالى، وقال سيدنا أنس رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج على أصحابه من المهاجرين والأنصار وهم جلوس فيهم أبو بكر وعمر فلا يرفع إليه أحد منهم بصره إلا أبو بكر وعمر فإنهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما ويبتسمان إليه ويبتسم إليهما) الترمذي رحمه الله تعالى. وقد ثبت أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أولى عناية وتربية وتزكية خاصة لبعض الصحابة رضي الله عنهم، من ذلك ما ذكرنا آنفاً ومنه ما خُص سيدنا سلمان الفارسي رضي الله عنه كما روى ذلك الحافظ أبو عمر بن عبد البر في كتابه (الاستيعاب في معرفة الأصحاب) الجزء 2 ص57 عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: (كان لسلمان رضي الله عنه مجلس من رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفرد به الليل حتى كاد يغلبنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم)، كل ذلك يشير إلى أن ذوات شريفة بعينها نالت مزيد عناية وتزكية.
أما كيف نستدل أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوجه على الصحابة رضي الله عنهم بقلبه الشريف، فلو رجعنا إلى الآيات الكريمة نجد أن من واجباته صلى الله عليه وسلم (التزكية) قال عز وجل: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} الجمعة 2، والتزكية كما هو معلوم ليست عملاً مادياً، فقد أجمعت الأمة على تعريف (الصحابي): هو من تشرف بلقاء حضرة النبي صلى الله عليه وسلم ولو للحظة ومات على الإسلام، فإن هذا اللقاء القصير قد لا يتيح مجالاً للتعليم والتوجيه ولكننا نفهم أنه كاف للتوجه القلبي والذي ثمرته التزكية المذكورة في القرآن الكريم. والقلوب أوعية مختلفة حالها كحال العقول والأجسام في التفاوت والاختلاف، فكان كل من تشرف بصحبة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يأخذ نصيبه حسب استعداده الفطري، وتؤثر في نسبة التلقي درجة صدق المتلقي وحرصه على نيل البركات، ولذلك كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم طبقات ودرجات كما هو الحال في المسلمين والمسلمات على مر الدهور والأوقات، فينال الإنسان ما قدر له من الخير بقدر مجاهدته وتقواه لخالقه جل في علاه {هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} آل عمران 163، ثم ينبغي أن لا ننسى فضل الله تبارك وتعالى يخص به من يشاء من عباده فهو المانع المعطي وهو الغني المغني سبحانه وتعالى {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} المائدة 54، وأسأله عز وجل أن يفيض عليكم وعلينا من أمثال بركات ما منح للسلف الصالح رضي الله عنهم وعنكم.
والله سبحانه وتعالى أعلم.